فخر الدين الرازي
192
تفسير الرازي
الجهل والضلال والاعتقاد الخطأ ، فإذا كان العبد موجداً لأفعال نفسه وهو لا يقصد إلا تحصيل العلم الحق المطابق ، وجب أن لا يحصل في قلبه إلا الحق ، فإذا كان الايمان الذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده لم يقطع بايجاده ، فبأن يكون الجهل الذي ما أراده وما قصد تحصيله وكان في غاية النفرة عنه والفرار منه غير واقع بايجاده وتكوينه كان ذلك أولى . والحاصل أن الشبهة في أن الايمان واقع بقدرة العبد أشد من الشبهة في وقوع الكفر بقدرته ، فلما بين تعالى في الايمان أنه من الله ترك ذكر الكفر للوجه الذي ذكرناه ، فهذا جملة الكلام في بيان دلالة هذه الآية على مذهب إمامنا . أما ما احتج الجبائي به على مذهبه من قوله : * ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) * . فالجواب عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام : * ( وإذا مرضت فهو يشفين ) * ( الشعراء : 80 ) أضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله ، فلم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للمرض والشفاء ، بل إنما فصل بينهما رعاية الأدب ، فكذا ههنا ، فإنه يقال : يا مدبر السماوات والأرض ، ولا يقال يا مدبر القمل والصبيان والخنافس ، فكذا ههنا . الثاني : أكثر المفسرين قالوا في تفسير قول إبراهيم : * ( هذا ربي ) * أنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الانكار ، كأنه قال : أهذا ربي ، فكذا ههنا ، كأنه قيل : الايمان الذي وقع على وفق قصده قد بينا أنه ليس واقعا منه ، بل من الله ، فهذا الكفر ما قصده وما أراده وما رضي به البتة ، أفيدخل في العقل أن يقال : إنه وقع به ؟ فانا بينا أن الحسنة في هذه الآية يدخل فيها الايمان ، والسيئة يدخل فيها الكفر ، أما قراءة من قرأ * ( فمن تعسك ) * فنقول : إن صح أنه قرأ بهذه الآية واحد من الصحابة والتابعين فلا طعن فيه ، وإن لم يصح ذلك فالمراد أن من حمل الآية على أنها وردت على سبيل الاستفهام على وجه الانكار ذكر في تفسير الاستفهام على سبيل الانكار هذا الكلام ، لأنه لما أضاف السيئة إليهم في معرض الاستفهام على سبيل الانكار كان المراد أنها غير مضافة إليهم ، فذكر هذا القائل قوله : * ( فمن تعسك ) * ( النساء : 79 ) لا على اعتقاد أنه من القرآن ، بل لأجل أنه يجري مجرى التفسير لقولنا : إنه استفهام على سبيل الانكار ، ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله تعالى ، قوله تعالى بعد هذه الآية : * ( وأرسلناك للناس رسولا ) * يعني ليس لك إلا الرسالة والتبليغ ، وقد فعلت ذلك وما قصرت * ( وكفى بالله شهيداً ) * ( النساء : 166 ) على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي ، فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى الله ، ونظيره قوله تعالى : * ( ليس لك من الأمر شيء ) * وقوله : * ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) * ( القصص : 56 ) فهذا جملة ما خطر بالبال في هذه الآية ، والله أعلم بأسرار كلامه .